جلال الدين الرومي

515

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

والخطاب الإلهى الملىء باللطف يناديها أولًا بأول ويكشف لها الأحوال ، لكنها لا تستطيع أن تعبر عما تدركه الأبصار أو تسمعه الآذان ، فهي " مواليد " لكنها ليست من أركان الدنيا الأربعة ، ويعود مولانا فيقول : أية مواليد ، إن مواليد هنا لفظ تقريبي فحسب من أجل الإرشاد والتعليم ، لكنها في الحقيقة تجليات ، ومن الأوفق هنا الصمت فآفة الحال المقال ، ودع سلطان المقال ومليكه ( الحق ) ليتحدث ، ولا تتفاصح فإن هذا الصنف من الناس لن يدرك شيئاً مما تقول ، إنه ممتلئ وجداً وهياماً يسمع حديثاً من غير قبيل حديثك ، فانضم أنت أيضاً إلى السامعين ، وهذان الصنفان : الجسماني والروحاني من آثار الوصال كلاهما له جماله الخاص به ، وانظر إلى مظاهر الطبيعة من حولك موت وحشر ونشر ثم موت وحشر ونشر ، تتوالى الفصول ، فهذا الصيف المتجدد يذكرك بالشتاء ورياحه الباردة وزمهريره القارس ، وهذه الفاكهة الموجودة في الشتاء تذكرك باللطف الإلهى الذي أنضجها في الصيف ، وتذكرك بالشمس عندما تبسمت وأخصبت عرائس الرياض ، فأولدتها وردا وريحانا وفاكة وأبا . ( 1831 - 1840 ) : إنك لو كنت ماهراً وذكياً عميق الفكر ، إذا إجتاحك الحزن من هذا التمزق الذي تعايشه بين الأرضي والسماوي ، فإنك تستطيع أن تخاطب هذا الحزن قائلًا : أيها الحزن المنكر للعطايا الإلهية ، إن لم تكن هذا الألطاف الإلهية منصبة عليك ، فلماذا في كل لحظة يتنضر وجودك ويتجدد دمك ، وتنهمر عليك الأفكار ، وما هذه الأفكار منك إلا عصارة هذه الالطافات ، وهي من زهر وجودك المتجدد كماء الورد من الورد ، فهل ينكر ماء الورد ( الفكر ) الألطاف الإلهية ( الورد ) ؟ إن الكافر المتخلق بأخلاق القردة تكون أقل نعمة من هذه النعم الروحانية حراماً عليه ، لكن أولئك الذين يتخلقون بأخلاق الأنبياء فلهم النور ولهم الغيث ، والشكر مهما كان البلاء من أخلاق الأنبياء ، أما القردة والخنازير وعبد الطاغوت فديدنهم الجدل مع الخالق والعاطى ، وانظر إلى عاقبة هؤلاء وعاقبة أولئك ، ولا تغرنك المظاهر ، فالعمران ملىء بالكلاب المسعورة والخراب ملىء بالكنوز المدفونة ، وهذه المظاهر